كيف صنع يسينين من نفسه شاعرا أسطوريا للوطنيين الروس

Gateway to Russia (Lev Ivanov, Sputnik) سيرغي يسينين في عام 1916 (يساراً) وفي عام 1924
Gateway to Russia (Lev Ivanov, Sputnik)
كان سيرغي يسينين من أبرز شعراء العصر الفضي في الأدب الروسي، وقد توج نفسه في إحدى قصائده بلقب أفضل شاعر في روسيا، فمن كان هذا الشاعر وكيف أصبح الشاعر المفضل لدى الوطنيين الروس.

وصل شاب قروي إلى مدينة سانت بطرسبرغ الكبيرة مرتديا زيه القروي وحاملا صندوق أغراضه البالية،  لينطلق مباشرة من محطة القطار إلى منزل "مثله الأعلى"، الشاعر الشهير ألكسندر بلوك.

هذه واحدة من الأساطير العديدة التي نسجها سيرغي يسينين عن نفسه، وذلك سعيا منه لبناء شهرة ومكانة في عالم الشعر المزدحم في تلك الفترة، اذ كان لا بد من اللجوء إلى حيل مختلفة للظفر بمكانة مرموقة على منصة الشعر الروسي. هكذا بنى يسينين صورته كشاعر قروي عصامي.

صانع أساطير عظيم

Public domain شعراء "الفلاحين الجدد": سيرغي يسينين (يمين) ونيكولاي كليويف، 1915
Public domain

كان يسينين بالفعل قرويا ولكن عائلته لم تكن فقيرة وكان دائما نظيف الهندام كما تلقى تعليمًا جيدًا. وقبل انتقاله إلى سانت بطرسبرغ عاش في موسكو لعدة سنوات، حيث كان يحضر دروسا ومحاضرات في مدرسة حكومية وعمل في مطبعة خاصة. ومنذ ذلك الوقت كان باستطاعته نشر قصائده في الجرائد والمجلات، وقد نشرت له في تلك الفترة واحد من أشهر قصائده اليوم والتي يقول في مطلعها:

"شجرة البتولا البيضاء
تحت نافذتي
مغطاة بثلج
كالفضة"

وقد بدأ حب الروس الحقيقي لشجرة البتولا والحقول الذهبية والمناظر الطبيعية القروية مع قصائد يسينين التي تغنى فيها بالحياة الريفية وامتداد الحقول وجمال الأشجار والبساتين. فرغم إقامته في موسكو وسانت بطرسبرغ، لكن حنينه الى قريته ظل حاضرا بشكل دائم في قصائده وأعماله، وهو موضوع لم يسبقه إليه أحد من كبار الشعراء في القرن التاسع عشر.

Public domain الشعراء سيرجي يسينين وسيرجي جوروديتسكي، 1916
Public domain

وفيما يخص شاعره المفضل ألكسندر بلوك، فقد قام يسينين بزيارته حقا في سانت بطرسبرغ، ولكنه قام بذلك بعد أن أرسل إليه رسالةً مهذبةً يُعلن فيها عن زيارته. وقد دوّن بلوك في مذكراته الملاحظات التالية بعد لقائهما: "فلاحٌ من محافظة ريازان. عمره 19 عامًا. شعرٌ عذبٌ نقيٌّ رنانٌ بليغٌ. لغةٌ فصيحة. زارني في 9 مارس 1915."

عربيد مُثير للمشاكل

في عامي 1918 1919 ارتبط اسم يسينين بدائرة شعراء "المدرسة التصويرية" المُثيرين للجدل. وفي هذه الفترة تحوّل من فتى قروي بسيط إلى "عربيد"، و"مثير للمشاكل" متخليا بذلك عن مظهره القروي لصالح أزياء المدينة وبهرجها. وقد تغني كثيرا بـ"حانات موسكو" وصولاته وجولاته العديدة فيها.

وقد جسد يسينين شخصيته الشعرية على أرض الواقع، فقد كان كثير الشرب ومن رواد الحانات، وكان دائما ما يثير المشاكل ويدخل في شجارات حامية الوطيس. ورغم الشهرة التي اكتسبها كشاعر عربيد، إلا أنه حافظ على لمسة من الحنين الى مسقط رأسه، كما لام نفيه عن نمط حياته الغير المثالي، والذي لا يمكن الخروج منه الا بمساعدة الحب.

N.Svishchev-Paola / TASS الشاعران التخيليان (الإيماجينيستيان) سيرغي يسينين وأناتولي ماريينهوف، 1923
N.Svishchev-Paola / TASS

ويسعى الشاعر الشاب جاهدًا لإيجاد هذا الحب في خضم حياةً شخصيةً مثيرة للجدل مليئة بالزيجات والعلاقات الغرامية الفاشلة. ومن بين هذه العلاقات، قصة الشاعر مع الراقصة الأمريكية الشهيرة إيزادورا دانكن، والتي سافر معها في جولةٍ فنيةٍ عبر أوروبا والولايات المتحدة، لكنه لم يستطع تحمل البقاء في ظل شهرتها، ليتركها وينهي زواجه معها. وكانت حفيدة ليف تولستوي، صوفيا، آخر زوجاته. وبعد علاقاتٍ غراميةٍ متتالية، عاد إلى غالينا بينيسلافسكايا، التي كانت تعشقه حتى الموت، حيث انتحرت عند أول زيارة لقبره.

Public domain سيرغي يسينين وإيزادورا دنكان
Public domain

في "اعترافات مشاغب"، يكتب أنه كان يتعمد التصرف بوقاحة ويستمتع بالانتقادات الناس من حول. كما كان جدد فيها تأكيده على حبه لوطنه متسائلا اذا كان شيوخ قريته يعرفون أنه "أفضل شاعر في روسيا!"

الشاعر الروسي حتى النخاع

تزامن اندلاع الثورة مع تواجد يسينين في موسكو، لكنه لم يتحدث عنها إلا قليلاً وبحذر شديد. وبدى كما لو أنه تائه في دوامة من العربدة والسكر مما تسبب له في الكثير من المتاعب مع الشرطة.

شهد أهوال الحرب الأهلية، وعانى بنفسه من الجوع والبرد في المدينة. لكن النتيجة الحرب غير مهمة بالنسبة، فكل ما كان يشغله هو وطنه الحبيب: "أرضنا الأم، أرض تلو الأخرى، / تتلألأ بالنار والسيوف، / يمزقها الصراع الداخلي."

Public domain
Public domain

ومع ذلك، فقد أظهر بعض الانحياز إلى البلاشفة. ورغم القائه للشعر أمام العائلة المالكة، لكنه شعر كممثل للشعب، أنه يجب أن يدعم الحكومة السوفيتية. في عام 1924 كتب أنه يريد أن يكون ابنًا بارًا لـ"الولايات العظمى للاتحاد السوفيتي".

قصة الوفاة الأكثر غموضًا في الأدب الروسي 

في قصيدة كتبها عام 1932 طلب من الذين سيكونون معه في لحظاته الأخيرة أن "يُضجعوه بقميص روسي تحت الأيقونات ليموت". إلا أن موته كان مختلفًا تماما. ولا تزال قص وفاته تثير الكثير.

Sputnik
Sputnik

تقول الرواية الرسمية أن الشاعر مات منتحرا. ففي 28 ديسمبر 1925 أقدم الشاعر على شنق نفسه في غرفته بفندق "أنجلتير" الشهير في سانت بطرسبورغ. ولكن في سبعينيات القرن الماضي، طرح أحد المحققين من إدارة التحقيقات الجنائية في موسكو نظرية مفادها أن يسينين قُتل على يد عناصر أمن الدولة. واستند في فرضيته هذه على وجود ورم دموي على وجه الشاعر، الذي يظهر بوضوح في الصور التي التُقطت بعد وفاته، وهو ما يُرجّح تعرضه للضرب قبل الموت، وذلك خلال مقاومة الشاعر لمن دخل عليه ليقتله.

Public domain صورة يسينين بعد وفاته
Public domain

وقد أضافت هذه الفرضية لمحة أسطورية اضافية على حياة هذا الشاعر، وقد لاقت رواجاً كبيرا في الثقافة الشعبية، حيث أُنتجت عدة أفلام ومسلسلات تلفزيونية تُصوّر هذه القصة.