كيف بحث الشاعر نيكراسوف عن السعادة في روسيا؟
أخبرني الآن عن مسكنٍ ما -
لم أره قط -
حيث لا يئن زارعك وحاميك،
الفلاح الروسي الوديع؟
هذه أبيات من قصيدة نيكولاي نيكراسوف "تأملات عند الباب الأمامي". فمنذ منتصف القرن التاسع عشر أبدى الشاعر اهتماما كبيرا بأحوال الفلاحين في روسيا، حيث أدرك أن روسيا بأكملها "تعتمد" على الفلاحين، الذين عاشوا حياة قاسية مليئة بكل أصناف العذاب والمعاناة. وقد كان الشاعر شاهدا على هذه الأوضاع، وكان يشعر تجاه الفلاحين بقدر كبير من الأسى والتعاطف جسده في قصائده المتعددة.
من شاعر رومانسي إلى ناشر تقدمي
نيكولاي نيكراسوف. نسخة طبق الأصل من صورة فوتوغرافية تعود إلى ستينيات القرن التاسع عشر من متحف الدولة الأدبي
لقد صنفت الأعمال النقدية السوفياتية الشاعر نيكراسوف في خانة الشعراء والكتاب الذين ناصروا الأفكار الديمقراطية الثورية. وقد كان نيكراسوف الطفل منذ طفولته شاهدا على الظلم الذي تعرض له أقنان أبيه، الذي كان من الإقطاعيين المالكين للأراضي.
كتب نيكراسوف قصائده الأولى في سن المراهقة. وعلى خلاف إرادة أبيه، الذي أراد أن يلحق ابنه بالخدمة العسكرية، فضل نيكراسوف السفر إلى سانت بطرسبورغ والالتحاق بكلية فقه اللغة كطالب غير منتظم. وعقابا له على ذلك قام والده بقطع كل أنواع المساعدة والدعم المالي مما اضطر الشاعر الشاب إلى العمل في وظائف مختلفة، فقد عمل كمعلم ومحرر في الصحف المحلية، كما حاول دائما أن يخصص قدرا من الوقت لكتابة أشعاره ومقالاته. وتمكن نيكراسوف في التاسعة عشرة من عمره من إصدار مجموعته الشعرية الأولى بعنوان "أحلام وأصوات"، والتي لاقت بعض الآراء الإيجابية.
نيكولاي جي. صورة لنيكولاي نيكراسوف، 1872
في أربعينيات القرن التاسع عشر تحصل نيكراسوف على وظيفة في إحدى أهم المجلات الأدبية في ذلك الوقت، وهي مجلة "أوتيتشيستفيني زابيسكي" (مذكرات وطنية)، حيث التقى وتعرف على الناقد الأدبي الشهير فيساريون بيلينسكي. وبمساعدته تمكن نيكراسوف من تكوين صداقات مع العديد من الأدباء الروس، كما تمكن من تأسيس دار نشر ناجحة.
انفصل نيكراسوف لاحقا عن بيلينسكي والتحق للعمل كناشرًا بمجلة أدبية أخرى هي مجلة "سوفريمينيك" (المعاصر)، التي أسسها الشاعر الكبير ألكسندر بوشكين. وبفضل جهوده اكتشفت المجلة العديد من المواهب الأدبية، وساهمت في إطلاق نجومية وشهرة كل من تولستوي ودوستويفسكي.
الشاعر والمواطن
إيليا ريبين. سفن نقل البضائع على نهر الفولغا (1870-1873)
أعطى نيكراسوف الأولوية للأدب الاجتماعي الذي تناول قضايا المجتمع الراهنة "استيقظوا: حطموا الرذائل بشجاعة…"، "قد لا تكونوا شعراء، ولكنكم حتما مواطنين"، هكذا كتب في قصيدته "شاعر ومواطن" التي عكست رؤيته حول الشعر والغاية منه.
وقد كان نيكراسوف وفيًا لقناعاته إذ سلطت العديد من أعماله الضوء على معاناة الشعب الروسي. كتب في قصيدته «السكك الحديدية»: «لقد تحمل الشعب الروسي ما يكفي، وسيتحمل كل ما يرسله الرب!»
أليكسي فينيتسيانوف. الربيع، على أرض محروثة، عشرينيات القرن التاسع عشر
كما كان الشاعر شديد الحساسية لوضع المرأة المتردي في المجتمع الروسي. فقد كان والده يعامل أمه معاملة سيئة، جعلته يدرك منذ طفولته صعوبة حياة المرأة الروسية. وقد كان نيكراسوف من أكثر الشعراء الروس تأثرا بهذا الموضوع.
في قصيدته «النساء الروسيات» (1871) جمع نيكراسوف بين موضوعين شغلاه أكثر من غيرهما: حياة الفلاحين وقمع المرأة. تحكي القصيدة قصة امرأتين من نساء الديسمبريين، اللتان قررتا مرافقة زوجيهما في منفاهم الى سيبيريا. وهنالك تشهد المرأتان مشاهد مروعة لـ"بلدٍ مضطهد يائس"، وتلتقيان "بسيدٍ قاس وفلاحٍ بائس مجتهد مطأطأ الرأس ... كيف اعتاد الأول أن يكون حاكما، بينما اعتاد الثاني أن يكون عبدا!"
وقد أدرك العديد من الشعراء لاحقًا أهمية الشعر الاجتماعي، وظهرت مدرسة شعرية قائمة بذاتها تُعرف باسم "مدرسة نيكراسوف"، والتي عارضت أنصار "الفن الخالص". واستعان عدد من شعراء "العصر الفضي للشعر الروسي" في مطلع القرن العشرين ببعض أفكار نيكراسوف ومفرداته. وأبدى البلاشفة اعجابا كبيرا بأشعار نيكراسوف ووصفه لينين بأنه "ديمقراطي روسي عريق" واستخدم أبيات من قصائده كعناوين ومداخل لمقالاته.
نيكولاي بيستوزيف. سيرجي فولكونسكي مع زوجته في الزنزانة المخصصة له في سجن بيتروفسكي، 1830
كرّس نيكراسوف العقد الأخير من حياته لعمله الرئيسي المتمثل في قصيدته الملحمية "من يعيش في رغد في روسيا؟"، والتي شرع في كتابتها في العام 1865، ودام على ذلك الى غاية وفاته في العام 1878، وقد قام بنشر القصيدة على مراحل في مجلتي "سوفريمنيك" و"أوتيتشيستفيني زابيسكي"، متجاوزًا بذلك الرقابة والمقص الحكومي.
بحثًا عن السعادة
تُشبه قصيدة من حيث البنية الملاحم القديمة بأبطالها الجوالين. كما أنها تتضمن عناصر عديدة من الحكايات الخرافية والفولكلور العشبي. وعمد نيكراسوف الى التحدث باسم الفلاحين العاديين، ولأول مرة أدخل لغة عامة الشعب إلى الأدب الروسي.
كما عكس في القصيدة آراءه حول إلغاء نظام القنانة، الذي تم اقراره في العام 1861 والذي زاد من سوء وضع الفلاحين حسب رأيه، لأنه ترك الفلاحين بلا أرض ولا أمان، مما أدى إلى تدهور حالة الأراضي الفلاحية والقرى عمومًا وعلق الشاعر قائلا: "لقد انكسرت سلسلة عظيمة، انكسرت وضربت من بطرف السيد وبالطرف الآخر الفلاح".
تبدأ القصيدة بسبعة فلاحين من قرى مختلفة يتجادلون بشدة حول من ينعم بحياة رغيدة في روسيا، وكان لكل واحد منهم نظريته الخاصة: يقول أحدهم أن مالك الأرض هو الأوفر حظا، ويرى آخر أن الموظف الحكومي هو الأسعد حالا، فيما يختلف الآخرون حول الكاهن والتاجر والارستقراطي والقيصر بطبية الحال. ولحسم هذا الجدل يقرر الفلاحون السبعة السفر عبر البلاد بحثًا عن أسعد شخص في البلاد. ولكن ما هي السعادة، وهل سيجدونها؟ تحتوي القصيدة على نهاية غير متوقعة.
عرض مسرحي بعنوان "من هو السعيد في روسيا؟"
تلقت القصيدة آراءً متباينة عند نشرها لأول مرة. أشاد بعض المعاصرين بهذا العمل لقدرته على تشخيص الأوضاع في روسيا ومعالجة أهم المشاكل الاجتماعية لتلك الفترة، وقارن العديد من النقاد هذه القصيدة الملحمية برواية نيكولاي غوغول "النفوس الميتة". في المقابل انتقدها آخرون لعدم واقعية تصوراتها وشخصياتها.
لاحقا نُشرت أعمال نيكراسوف الكاملة وأصبحت قصائده جزءًا من المناهج الدراسية في الاتحاد السوفياتي. ولا تزال تُدرّس في المدارس حتى اليوم، وأصبحت قصيدته "من يعيش في رغد في روسيا؟" مصدرًا للعديد من الاقتباسات والحكم الشائعة.
في عام 2015 حوّل المخرج الشهير كيريل سيربرينيكوف هذه القصيدة إلى عمل مسرحي ضخم، مُظهراً بذلك الطبيعة الخالدة لهذا العمل وأهميته المستمرة في تجسيد الأفكار المتجذرة في الهوية الثقافية للشعب الروسي.