إيلف وبتروف: أشهر ثنائي أدبي في الاتحاد السوفياتي
وُلد الصديقان إيليا إيلف ويفغيني بتروف في أوديسا، عاصمة الفكاهة في الإمبراطورية الروسية.ولطالما زخرت هذه المدينة الواقعة على شاطئ البحر الأسود بأساطير وحكايات شعبية تحتفي باللصوص والمحتالين الذين مروا على هذه المدينة المعروفة بأسلوب حياة ذو طابع فريد، ناتج عن التنوع الكبير الذي تتمتع به هذه المدينة المينائية. وقد أصبح المحتال أوستاب بندر، بطل الكاتبين الأدبي، واحد من أساطير هذه المدينة.
بداية الشراكة الأدبية
التقى إيلف وبتروف عام 1925 في موسكو. كان إيلف يبلغ من العمر 28 عامًا، أما بتروف فكان لا يزال في سن 23 عامًا. وقد عملا في مجلة "غودوك" ، حيث كانا يقومان بتحرير وكتابة المقالات الصحفية.
وقد ورد في كتابهما المشترك "سيرة ذاتية مزدوجة" ملاحظة ساخرة مفادها أن الكاتب ولد مرتين: في عامي 1897 و1903، وبدأ منذ طفولته في "عيش حياة مزدوجة".
كان إيلف ينحدر من أسرة يهودية بسيطة، وكان أبوه محاسبا مغمورا وموظفا في أحد بنوك المدينة. تخرج إيليا من مدرسة فنية وعمل في مكتب تصميم، ثم في مكتب هاتف ثم في مصنع للقنابل اليدوية. وفي نفس كان مواظبا على كتابة الشعر واكتسب تدريجيًا شهرة واسعة بين شعراء أوديسا. في عام 1917 بدأ العمل كمحرر مجلة وكاتب مقالات، ليقرر بعدها التفرغ بشكل كامل للأدب وانتقل على إثر ذلك إلى موسكو عام 1923.
أما شريكه المستقبلي بيتروف، فقد ولد في عائلة مرموقة، حيث كان والده موظفًا حكوميًا ومدرسًا في معهد ديني وأكاديمية عسكرية. وقد اصطحب الوالد يفغيني وشقيقه في رحلات طويلة، حيث أبحروا إلى كل من تركيا وإيطاليا وتمكنوا خلال هذه الرحلات من التعرف على العالم ورؤية العديد من المشاهد الجديدة.
بدأ بيتروف مسيرته المهنية كشرطي محقق في قسم التحقيقات الجنائية في أوديسا، حيث كان يعمل على القضايا الجنائية ويحارب الجريمة ويطارد العصابات. كان اسمه الحقيقي كاتايف (وقد أصبح شقيقه الأكبر، فالنتين كاتايف كاتبًا سوفيتيًا شهيرًا). في عام 1920 أُلقي القبض على الأخوين للاشتباه بتورطهما في مؤامرة معادية للسلطة السوفياتية، لكنه لاحقا أُطلق سراحهما لأسباب مجهولة...
التقى إيلف وبتروف في موسكو وأصبحا صديقين حميمين، وبدآ في كتابة قصصًا وروايات قصيرة ساخرة. وتقول الأسطورة إنهما بدآ أول عمل أدبي رئيسي لهما ككاتبين مأجورين، حيث طلب فالنتين كاتايف، شقيق بتروف الأكبر، من الكاتبين الشابين كتابة رواية ساخرة طويلة. وبعد كاتايف على العمل أعجب كثيرا به لدرجة أنه قرر التخلي عن "حقوق التأليف" الخاصة به وطلب منهما نشر الرواية تحت اسمهما مباشرة.
رواية "الكراسي الاثنا عشر"
وقد تعلق الأمر برواية هي "الكراسي الاثنا عشر" الأسطورية، والتي نُشرت في عام 1927 في وقت قياسي مدون تأخير من أجهزة الرقابة الحكومية رغم السخرية اللاذعة من النظام السوفياتي الجديد. على سبيل المثال، إليكم إحدى الملاحظة الساخرة من الرواية: "إلى أين ستذهب؟ لما العجلة، إن جهاز المخابرات العامة سيجدك هو بنفسه. (وكان هذا الجهاز هو المسؤول عن القمع السياسي).
وتدور الرواية حول قصة محتالين يلتقيان في مدينة ستارغورود الخيالية. حيث يأتي النبيل السابق إيبوليت فوروبيانينوف إلى المدينة بحثًا عن مجوهرات عائلته تمكنت حماته من اخفائها داخل أحد كراسي غرفة المعيشة الاثنا عشر، خوفا من سرقتها بعد اندلاع الثورة.
يلتقي النبيل مصادفة بالمغامر والمحتال أوستاب بندر في ستارغورود، والذي وصل إليها بلا جوارب ولا شقة ولا مال. وبينما كان بيندر يخطط لإيجاد طرق ماكرة لجمع المال والعيش برفاهية دون عناء، قرر إيبوليت الخجول ضمه إلى خطته وانطلقا معًا للبحث عن الكنز...
بعد ذلك يدخل هذا الثنائي مغامرات لا تُصدق بحثًا عن الكراسي، التي بيعت بشكل فردي بعد الثورة ونُثرت في أنحاء البلاد. يضطران إلى اللجوء إلى شتى الحيل للحصول عليها من مختلف الناس، من مؤيدي القيصر والبرجوازيين إلى البلاشفة المتعصبين.
الشراكة الادبية والرحلة الى أمريكا
بعد النجاح الباهر لرواية "الكراسي الاثنا عشر"، كتب إيلف وبتروف عام 1931 الجزء الثاني لمغامرات بيندر بعنوان "العجل الذهبي". إلا أن هذه الجزء اصطدم بصرامة المؤسسات الأدبية في ثلاثينيات القرن العشرين، والتي اعتبرت الرواية "تشهيرًا بالاتحاد السوفياتي". أخر هذا الأمر نشر الرواية لثلاث سنوات كاملة، وقد حققت الرواية نفس النجاح، وتم اقتباس كلا الجزأين لاحقًا إلى أفلام عديدة، تعتبر اليوم من كلاسيكيات السينما السوفياتية.
في عامي 1935-1936، انطلق الكاتبان في رحلة إلى الولايات المتحدة. سافرا فيها عبر البلاد بالسيارة رفقة زوجين أمريكيين.
وقد نشرا لاحقًا كتاب في أدب الرحلة تحت عنوان "أمريكا من طابق واحد"، الذي يقدم وصفًا مفصلًا للرحلة: نيويورك، بناء جسر البوابة الذهبية في سان فرانسيسكو، نمط الحياة الأمريكية، المناظر الطبيعية والسهول، وبطبيعة الحال هوليوود...
كان الكاتبان الشابان يعملان معًا في كل شيء، وكانت لديهما العديد من الأفكار والخطط، لكن إيلف توفي بمرض السل عام 1937. وبعد عامين، رُزق بيتروف بابن سماه إيليا تكريمًا لصديقه.
بعد وفاة شريكه في التأليف، انغمس يفغيني في صناعة الأفلام، وأصبح لاحقًا رئيس تحرير مجلة "أوغونيوك" الشهيرة. وخلال الحرب العالمية الثانية، كتب تقارير ومقالات من ساحة المعركة. وفي احدى لقي حتفه في حادث تحطم طائرة. ومن المفارقات أنه كان في نفس عمر إيلف عند وفاته.