ما تحتاج معرفته عن الشاعرة الروسية الأسطورية آنا أخماتوفا
لقد شكل عمق تجربتها الشخصية وتنوعها، الذي انعكس على قصائدها، أمرا مذهلا حقا. حيث تمكنت بفضل حبها للحياة وقوة إرادتها وصلابة شخصيتها من النجاة من سنوات القمع القاسية وتجاوز فاجعة فقدان زوجها ومحنة اعتقال ابنها والتعايش مع الحظر التام لقصائدها.
1. مصدر إلهام عظيم لرسامي العصر
على مدى سنين طويلة شكلت هذه الشاعرة مصدر إلهام للعديد من الرسامين الذين طمحوا لتخليد صورتها في بروتريهات فنية بديعة. وقد كانت آنا أخماتوفا تتمتع بسحر أخاذ وجاذبية قوية مع عنقها النحيل، والعينان الحالمتان والأنف ذو الحدبة الطفيفة والثغر الصغير البديع. وقد قام كل من ناثان ألتمان وكوزما بيتروف-فودكين وزينيدا سيريبرياكوفا ويوري أنينكوف بانجاز بورتريهات مختلفة لهذه الشاعرة، تميزت معظمها بمسحة من الحزن والأسى، تماشيا مع طريقة تصويرها لنفسها في قصائدها كامرأة هشة وحزينة.
تحت حجاب داكن، كانت تعصر يديها...
"ما الذي يجعلك تحزنين هكذا؟"
لقد أسكرت حبيبي
بحزن مرير. (1911)
كما قام الفنان الإيطالي أميديو موديلياني برسم لوحات عارية لأخماتوفا كانت السبب في انتشار شائعات عن وجود علاقة غرامية بينهما، لكن آنا نفت كل تلك الشائعات وأكدت أن ما جمعهما لم يتعدى حدود الصداقة. وقد تعرفا هذان الصديقان أثناء رحلة شهر العسل التي قامت بها آنا مع زوجها الشاعر نيكولاي غوميليوف الى باريس.
ومن جهة أخرى فقد خاضت آنا علاقة غرامية مع الفنان والأديب الروسي بوريس أنريب، الذي أهدت له عددا من القصائد، وقام هو بدوره بتخليدها في لوحة الفسيفساء الشهيرة "الرحمة"، والتي تعرض اليوم في بهو المعرض الوطني في لندن.
2. خلّدت صفوف النساء على مدخل مبنى جهاز المخابرات السوفيتية
"زوجي في القبر، وابني في السجن،أرجوكم صلّوا من أجلي" هكذا كتبت أخماتوفا في إحدى أشهر قصائدها، "المرثية" (1934-1963). وكان زوج أخماتوفا الأول، الشاعر نيكولاي غوميليوف، من أبرز شخصيات العصر الفضي للأدب الروسي، وقد اعتقل في عام 1921 وأُعدم بتهمة القيام بنشاط مناهض للبلشفية.
كما اعتُقل ابنهما ليف، المؤرخ البارز، خلال عمليات التطهير الستالينية، ووُجهت له تهمة "التحريض على الثورة المضادة" ونُفي إلى معسكرات العمل القسري (الغولاغ).
وخلال هذه الفترة قامت أخماتوفا بتخليد طوابير النساء على أبواب المخابرات الروسية في لينينغراد طمعا في الحصول على معلومة بشأن مصير أزواجهم وأبنائهم المعتقلين، حيث كانت هؤلاء النسوة تتجمعن بشكل يومي بغض النظر عن برد الشتاء وحر الصيف.
وكتبت أخماتوفا قصيدة "محاكاة الأرميني"، التي تعبر واحدة من أقوى القصائد المناهضة لستالين، وإن كانت أقل شهرة من قصيدة الشاعر ماندلشتام "نعيش دون أن نشعر بالوطن تحت أقدامنا".
محاكاة الأرميني (1931):
سأزورك في حلمك نعجة سوداء
وأقترب منك تحملني أرجل ضعيفة وجافة
أثغو وأخور: "هل تناولت عشاء طيبا، بادشاه"
يا من تمسك الكون كحبة خرز
يا مشيئة الله المشرقة
هل كان ذوق صغيري
لذيذ بما يكفي لك ولأبنائك؟
خلال حصار لينينغراد، بقيت أخماتوفا في المدينة، وشاركت في خياطة أكياس الرمل التي استخدمت في الخنادق، كما قامت هي والشاعرة أولغا بيرغولتس بقراءة قصائدهما عبر الراديو من أجل رفع معنويات السكان. ("لقد دقت ساعة الشجاعة/ ولن تتخلى عنها أبدا").
بعد الحرب أصدر الحزب الشيوعي مرسومًا ينتقد شعر أخماتوفا واصفا إياه "بالشعر الفارغ الخالي من الأيديولوجية وغريب عن شعبنا". لم يستصغ الشيوعيون ما اعتبروه روحًا منحطة وجمالية مفرطة في شعرها. ووصف أحد قادة الحزب شعرها بأنه بعيد كل البعد عن عامة الشعب، لما يحتويه من "محن شخصية تافهة وإيحاءات دينية صوفية".
أدى هذا النقد إلى منع نشر قصائدها بشكل رسمي، ليضطر محبيها الى مشاركة أعمالها فيما بينهم عن طريق طبع نسخ شخصية وتوزيعها بشكل سري. وكان الناس يحفظون أشعارها عن ظهر قلب ويدونونها ويوزعونها على معارفهم وأصدقائهم، ثم يحرقون النسخ المتبقية خوفا من انكشاف أمرهم. إذ أن الاحتفاظ بالقصائد الضارة لعبة محفوفة بالمخاطر. وقد نجت أخماتوفا نفسها من الاعتقال نظرا لمكانتها الأدبية المرموقة في تلك الفترة.
3. مهدت الطريق للشاعر برودسكي
حافظت أخماتوفا على شهرتها الى آخر أيام حياتها، وكانت تحظى بتقدير كبير من الجماهير الأدبية لكونها الشاعرة الوحيدة من العصر الفضي التي عايشت الحقبة الستالينة في الخمسينيات وما بعدها.
وقد تعرفت الشاعرة على العديد من شعراء الجيل الجديد مثل ديمتري بوبيشيف، أناتولي نايمان، يفغيني راين، وجوزيف برودسكي، الذي يبقى واحد من أشهر هؤلاء الشعراء. وقد كان هؤلاء الشعراء يُطلقون على أنفسهم لقب "أيتام أخماتوف"، تعبيرا عن عمق العلاقة الانسانية التي جمعتهم معها، وقد شكل خبر وفاتها في عام 1966 فاجعةً شخصيةً لكلٍّ واحد منهم.
لم يكن برودسكي من اشج المعجبين بها في أول الأمر، ولكنّ بيتًا واحدًا من شعرها والقائل ("هذا العصر القاسي قد حوّلني، كما يُحوّل النهر مجراه.") فتح عينيه على عظمتها كشاعرة وانسانة على حد سواء، وقد وصف برودسكي تأثير أخماتوفا عليه في التصريحات قائلا: "لم يُعلّمني أي أحد ولا أي شيءٌ أن أفهم وأغفر كل شيء -الناس، الظروف، الطبيعة، ولامبالاة السماء- كما فعلت هي".
بعد اعتقال برودسكي ونفيه إلى شمال روسيا بتهمة "التطفل الاجتماعي" قالت أخماتوفا مقولتها الشهيرة: "يا لها من سيرة ذاتية يكتبونها لشاعرنا ذي الشعر الأحمر". وقد أشادت بموهبة برودسكي واعتبرته من بين أحسن الشعراء الذين "ربتهم بنفسها"، وقد حمل برودسكي هذه الشهادة كوسام على صدره.