GW2RU
GW2RU

خمسة أسباب لعظمة دوستويفسكي

صورة فيودور دوستويفسكي، بريشة فاسيلي بيروف، 1872
Tretyakov Gallery
دوستويفسكي المفكر العظيم والمؤمن الحقيقي، الكاتب الذي بحث في الخبايا المظلمة للنفس البشرية، ليخرج لنا أعظم معادلة في الأدب العالمي "الجريمة والعقاب". بعد أكثر من قرن من وفاته مازال يشكل مصدرا للفخر الوطني في روسيا ومحجا ومعلما لكل محبي الأدب عبر العالم.

1. خبير نفساني

لقد تمكن دوستويفسكي من اكتشاف أسرار النفس البشرية مثلما يكتشف رحالة أرضا جديدا. فهو يعتبر أول من تمكن من بلوغ عمق النفس الروسية المضطربة.

رسم توضيحي لرواية "الجريمة والعقاب".
Nikolay Karazin

أولى دوستويفسكي اهتماما كبيرا بطريقة عمل العقل البشري من خلال شخصيات روايته التي يعاني معظمها من حالة من الاضطراب والقلق والخوف. حيث يمكن اعتبار روايته "الجريمة والعقاب"، "الأبله"، "الاخوة كارامازف" وغيرها مقدمات حقيقية في علم النفس.

تعاني شخصياته من كل أوجاع النفس البشرية مثل الشعور بالذنب (راسكولنيكوف في الجريمة والعقاب)، القلق (ميتيا كارامازوف)، الغيرة (بارفيون راغوزين) الجشع (غانيا ايفولغين في الأبله) وغيرها من الأحاسيس. 

ولكنهم جميعا مستعدين للمرور عبر هذه العذابات من أجل بلوغ الحرية الأخلاقية والعدالة الشاملة.

ويقول دوستويفسكي في روايته "الإخوة كارامازوف" الأخيرة "ما هو الحجيم؟ الحجيم هو عدم القدرة على الحب". فقد استخدم هذا الكاتب نقاط ضعف شخصيته لشرح الطبيعة الميتافيزيقية للعالم كما استخدم إسحاق نيوتن الحقائق الرياضية لتفسير الحركة والجاذبية.

ويضيف دوستويفسكي قائلا: "إذا أردت الانتصار على العالم، انتصر على نفسك أولا"، فقد عاش دوستويفسكي وفقا لهذه المقولة.

2. نبي الثورة الروسية

في مقال نشر في عام 1906 وصف الشاعر والمفكر الروسي دميتري ميريجكوفسكي دوستويفسكي بأنه "نبي الثورة الروسية". ولكنه ليس من السهل أن ترى هذه النبؤات في أعمال دوستويفسكي التي تملك طبقات متداخلة من التحليل والمعاني. صحيح أن هذه المقولة تحمل قدرا من المبالغة إلا أنه من الجدير أن نشير إلى قدرة دوستويفسكي على التنبؤ بمسار الأحداث انطلاقا من تحليله العميق للواقع وأحوال الناس.

نسخة طبق الأصل من صورة فيودور دوستويفسكي، بريشة م. شيرباتوف.
Yarin/Sputnik

ويستنتج ألكسندر سولجنيتسين -الحائز على جائزة نوبل للآداب- بعد قراءته لرواية "الجريمة والعقاب" في عام 1947 قائلا: "يملك دوستويفسكي قدرات مذهلة، بدون اللجوء الى أحداث شاملة لعدد الكبير من الناس مثلما هو الحال في رواية "الحرب والسلام" لتولستوي، يتناول جزء ضئيل من الحياة بالتركيز على عدد محدود من الناس في إطار زمني لا يتعدى عدة أيام ليقدم لنا كتابا بالغ القوة والأهمية". تمثل شخصية البطل "روديون راسكولنيكوف" صنفا جديدا من البشر مسكونا بالأفكار العدمية. حيث يسمح لنفسه بارتكاب جريمة أملاه عليه ضميره، ليتبعه بعد ذلك عدد من الثوريين الروس لارتكاب جرائم بنفس الدافع.

يقوم دوستويفسكي بتحليل وتشريح تفاصيل القواعد الأخلاقية والأعراف والتقاليد الثقافية التي تنتقل عبر الأجيال. في قصيدته التي ألقاها على لسان المحقق الكبير في رواية "الإخوة كارامازوف" يتنبأ بظهور دولة شمولية تأخذ على عاتقها مهمة تحديد القواعد الأخلاقية بطريقة دكتاتورية، وهذا ما حدث فعلا عبر القرن العشرين بظهور عدد من الدول الشمولية والاستبدادية.

إعادة إنتاج الرسم التوضيحي لكتاب "الشياطين" للمؤلف م. دورنوف.
Vladimir Vdovin / Sputnik

في روايته "الشياطين" يتنبأ دوستويفسكي بانتشار الفلسفة العدمية والكراهية والفوضى أين "يقوم كل واحد في المجتمع بمراقبة الآخر والوشاية به…كل شخص ينتمي لشخص ما، وكل شيء ينتمي لشخص ما. الجميع عبيد متساوون في عبوديتهم. ويقول كذلك في نفس الرواية: "نحتاج فقط الضروري، هذا هو شعار العالم أجمع…يجب أن تحكم القواعد العبيد. رضوخ تام، وغياب كامل للشخصية".

ويضيف "يتمتع الشباب اليوم بنفس العنفوان النقي والوهاج الذي تمتعنا به نحن في الماضي. لقد تغير شيء واحد فقط، هناك تحول في الأهداف، استبدال جمال بجمال آخر. ويقبع سوء الفهم في سؤال واحد، ما هو الشيء الأكثر جمالا: شكسبير أو زوج من الاحذية، رافاييل أو البترول".

3. مؤثر

لقد بلغ تأثير دوستويفسكي الى أقصى بقاع الأرض عبر مختلف الأجيال والفترات التاريخية. لقد توجه بكلماته الى قلوب الناس مباشرة، لقد مزج صوته القوي المعاناة مع العاطفة، الانتحار مع الحب والمأساة مع التضحية.

نسخة طبق الأصل من لوحة "المفتش الكبير" للفنان إيليا جلازونوف.
Igor Boiko/Sputnik

لقد عبر كل من دي إتش لورانس وفيرجينيا وولف وويليام فولكنر عن حالة من الرهبة أمام قدرة دوستويفسكي على جذب العقول وتنويمها وقراءتها. وفقا لجيمس جويس فقد قام دوستويفسكي بابتكار نوع أدبي نثري جديد، وقام بتكثيفه حتى يومنا هذا". يعتبر فرانز كافكا من محبي "الإخوة كارامازوف" وقال إنه يعتبر دوستويفسكي "قريبه " قرابة دم. واستشهد إرنست همنغواي بالرجل الذي يقف وراء "الأبله" كأحد أكثر الكتاب إلهاما له: "كانت توجد في دوستويفسكي أشياء لا تصدق ولا يمكن تصديقها، لكن بعضها صحيح لدرجة أنها قادرة على تغييرك أثناء قراءتها.”

رسم توضيحي لرواية "الإخوة كارامازوف" للفنان بوريس غريغورييف.
Sergei Pyatakov/Sputnik

بعد قراءة "مذكرات من تحت الأرض" و "مذكرات من بيت الموتى" ، وصف فريدريك نيتشه دوستويفسكي بأنه "عالم النفس الوحيد الذي الذي يمكن أن أتعلم أشياء منه". توصل المفكر والفيلسوف الروسي الشهير ليف شيستوف إلى استنتاج مفاده أن دوستويفسكي ونيتشه يشتركان في تشابه غريب في الروح، وبالتالي، يمكن تسمية دوستويفسكي ونيتشه دون مبالغة "بالتوأم".

كان دوستويفسكي،الذي حارب شياطينه الداخلية بشكل يومي المريض المثالي لأي طبيب نفسي، وقد قام سيغموند فرويد بنفسه بتحليل نفسي للكاتب الروسي في مقالته الشهيرة "دوستويفسكي ومقتل الأب"، التي نشرت عام 1928 كمقدمة لمجموعة مقالات باللغة الألمانية حول رواية "الإخوة كارامازوف". ماكان فرويد ليصل الى ما وصل اليه  لو لم يركز على عقدة أوديب عند دوستويفسكي وعلاقاته مع والده ونوبات الصرع والآراء الدينية و إدمان القمار الذي عان منه لمدة 10 سنوات كاملة.

4. فيلسوف وجودي

متماشيا مع أفكار الفيلسوف الدنماركي الرائد سورين كيركيغارد، الذي الإنسان وضع كشخص وحيد في قلب فلسفته، اكتشف دوستويفسكي ذاته الداخلية. يعتقد كيركيغارد أن" المصائب تترك علامة فخر معينة على الشخصية، إلى أن تقوم بتحطيمها أخيرا". ورد دوستويفسكي قائلا:" الإنسان غير سعيد، لأنه لا يعلم أنه سعيد، فقط بسبب ذلك". ولم يلتق دوستويفسكي وكيركيغارد أبدا ولم يكن لديهما معرفة ببعضهما البعض.

رسم توضيحي لكتاب "مذكرات من العالم السفلي"
А. Alekseeva/Vita Nova, 2011

في عام 1863 كتب دوستويفسكي ما بدا أنه أول رواية وجودية "'مذكرات من تحت الأرض" الذي استعمل فيها لهجته العصبية اللافتة للنظر في الفقرة الافتتاحية. "أنا شخص مريض... أنا شخص شرير. أنا شخص غير جذاب". وصف عالم اللغة الروسية الرائدة في القرن 20 ميخائيل باختين هذا الأسلوب الخاص دوستويفسكي قائلا إن "إنه خطاب مليء بكلمات ذات معان خفية". 

تعتبر هذه الرواية عملا بالغ التعقيد يقدم اعترافات موظف سابق من سان بطرسبورغ في قالب فلسفي حول معاني الحياة البشرية، هي حكاية تراجيدية بشأن طبيعة رغباتنا و العلاقة المريبة بين العقل والامتناع عن الحركة. يتجادل رجل الطبقات السفلى المحروم من أي اسم أو لقب مع خصومه الافتراضيين والحقيقيين حول الدوافع وراء أفعال البشر والتقدم والحضارة. فهو شخص مهووس، مريض، مثير للشفقة، وحيد وفقير خوفه الأول أن يجده الآخرون.

يتجسد الجوهر الفكري لهذه الرواية في جدال الشخصية الرئيسية مع النظريات العلمية الأكثر شهرة في منتصف القرن 19 وفكرة دوستويفسكي الأساسية بشأن حاجة الإنسان إلى الإيمان (المسيحي) وإنكار الذات.

ولم تكتسب هذه رواية القصيرة لدوستويفسكي القصيرة اعترافا عالميا إلا بحلول منتصف القرن 20، حيث اتضح أنها كانت المقدمة الفعلية للفلسفة الوجودية، حيث أصبح انسان الطبقات السفلى الأب الروحي الأدبي لشخصيات رئيسية للعديد من الكتاب الأوروبيين مثل  سارتر وكامو، كما أثر كذلك على صناع السينما.

5. دوستويفسكي المؤمن

لقد كان دوستويفسكي رجل التناقضات وكانت أفكاره تتأرجح من النقيض إلى النقيض. فقد كان انسانا أرثودوكسية مؤمنا، ودافع عن القيم الدينية في العديد من أعماله، وقد وصف المسيح "بأنه الإنسان المثالي"، ولكن أفكاره حول الدين تحولات كبيرة عبر مختلف فترات حياته.

رسم توضيحي لرواية "الإخوة كارامازوف" من تأليف إيليا جلازونوف.
A. Sverdlov / Sputnik

يذكر بعض المؤرخون أن دوستويفسكي في شبابه كان منجذبا بشكل كبير إلى الأفكار الاشتراكية، وأما البعض الآخر فانهم يؤكدون على أنه كان مسيحيا مؤمنا منذ ريعان شبابه، ولكن الأكيد أن تجربته مع السجن تركت في نفسه أثرا عظيما.

في سنة 1849 اعتقل الكاتب لمشاركته في مجموعة "بيتراشيفتسي" السرية اليسارية المتطرفة في سان بطرسبورغ، والتي كانت تدعو للتغيير الجذري للنظام السياسي والاجتماعي في البلاد. في سنة 1850 حكم عليه بالإعدام مع مجموعة من عشرين معتقل آخرين، ولم يتجاوز عمر حينها 28 عاما. ولكنه وفي تطور مفاجئ للاحداث تم الغاء حكم الاعدام واستبداله بالسجن. لقد شكل خبر تخفيف العقوبة صدمة شديدة على الكاتب واحتفظ بذكراها طوال حياته.

قضى دوستويفسكي 4 أعوام في معتقل للأعمال الشاقة في سيبيريا، لينتقل بعدها الى الخدمة في الجيش في صفوف الكتيبة السابعة في جيش سيبيريا. لقد ساعدت هذه التجربة الدراماتيكية الكاتب على الوصول إلى فهم عميق لقيمة الحياة البشرية. وقد أصبح واضحا له أن لحظة من الحياة يمكن أن تصبح هي اللحظة الأخيرة في حياة الإنسان.

وقد كتب دوستويفسكي في احدى الرسائل في سنة 1878 قائلا: "خلود الروح والرب هي فكرة واحد لنفس الشيء". وقد لخص الكاتب علاقته بالإيمان في رواية "الشياطين" بقوله: "إني أحتاج بالفعل إلى الرب لأنه الكائن الوحيد الذي يمكن أن تحبه الى الأبد".