كيف اعترف بوشكين بإلحاده وكيف عوقب على ذلك؟

Legion Media
Legion Media
بعد تخرجه من المدرسة الثانوية في سانت بطرسبورغ، انخرط بوشكين في الحياة الاجتماعية وكتب الكثير من القصائد الشعرية التي أثارت استياء السلطات الروسية.

فقد تناول في قصيدته "الحرية" (1817) الحكم الاستبدادي وانتقده بشدة، أما في قصيدته "القرية" (1819) فقد خصصها لتعرية فضائع العبودية في الإمبراطورية الروسية، ووصل به الأمر إلى حد كتابة أبياتا شعرية ضد القيصر نفسه والمقربين منه. وقد أثار هذا غضب الإمبراطور ألكسندر الأول، الذي أمر بنفي الشاعر الشاب إلى سيبيريا أو إلى دير سولوفيتسكي في أقصى الشمال.

Heritage Images/Getty Images
Heritage Images/Getty Images

على اثر ذلك سارع أصدقاء بوشكين النافذون من أمثال نيكولاي كارامزين وفاسيلي جوكوفسكي وغيرهم إلى الضغط من أجل تخفيف عقوبته، حيث تمكن كارامزين من إقناع القيصر شخصيًا بأن النفي إلى سيبيريا سيكون عقوبة قاسيًا للغاية معللا ذلك بقوله: "بوشكين عبقري، والعباقرة يستحقون الغفران".

وفي مايو 1820 غادر بوشكين سانت بطرسبرغ منفيا الى الجنوب تحت حجة الانتقال إلى "موقع جديد للخدمة". حيث نُقل من مكتب الشؤون الخارجية في العاصمة، حيث كان يعمل، إلى مكتب كبير أمناء مستوطني الإقليم الجنوبي، الجنرال إيفان إينزوف، والذي كان مقره في كيشيناو.

Legion Media ألكسندر بوشكين في باختشيساراي (القرم). لوحة فنية من القرن العشرين.
Legion Media

عامل إينزوف الطيب المتسامح الشاعر المنفي بلطف ولم يُثقله بالمهام الرسمية. وأمضى الشاعر تحت قيادته في كيشيناو ما يقرب ثلاث سنوات، وشهدت هذه الفترة تأليف الشاعر العديد من القصائد الرومنسية، كما بدأ العمل على رواية "يفغيني أونيغين". وفي يوليو من العام 1823 نُقل إلى أوديسا للعمل تحت قيادة حاكم منطقة نوفوروسيسك الجديد، الكونت ميخائيل فورونتسوف. كانت أوديسا في تلك الفترة مدينة صاخبة ضمت دار لأوبرا إيطالية ومطاعم عديدة وحياة اجتماعية نشيطة. انغمس بوشكين في هذا الجو وكان كثير التردد على منزل عائلة فورونتسوف للاستفادة من مكتبتهم الضخمة، كما زار بانتظام مسارح المدينة والكازينو. وفي فترة إقامته في أوديسا التي دامت 13 شهرًا (31 يوليو 1824) أتم الشاعر فصلين ونصف من رواية "يفغيني أونيغين" وقصيدته المطولة "الغجر"، كما انتهى من كتابة قصيدته "نافورة باختشي ساراي" وأكثر من ثلاثين قصيدة أخرى.

National Pushkin Museum, St. Petersburg
National Pushkin Museum, St. Petersburg

كانت علاقته بالكونت فورونتسوف ودية في بداية الأمر، ولكنها سرعان ما تدهورت بسبب مغازلة بوشكين لزوجة الكونت إليزافيتا كسافيريفنا. وقد بلغ الصراع ذروته بتكليفٍ فورونتسوف لبوشكين بمهمة مهينة تمثلت بالسفر إلى مقاطعة خيرسون "لمحاربة الجراد"، كما قدّم فورونتسوف التماسًا إلى وزير الخارجية كارل نيسلرود يطلب فيه إبعاد بوشكين عن أوديسا.

وكان العامل الحاسم في قرار إبعاد بوشكين من أوديسا رسالة أرسلها الشاعر إلى صديق له في موسكو في ربيع عام 1824. وقد كتب الشاعر فيها: "تريد أن تعرف ما أفعله؟ أكتب أبياتًا بديعةً من قصيدةٍ رومانسية، وأتلقى دروسًا في الإلحاد الخالص. وها هنا رجل إنجليزي، فيلسوفٌ أصم، وهو الملحد الذكي الوحيد الذي قابلته حتى الآن". وكان هذا "الإنجليزي" يشغل منصب الطبيب الخاص لفورونتسوف، وكان اسمه ويليام هاتشينسون.

Vladimir Vdovin/Sputnik "ألكسندر بوشكين في قرية ميخايلوفسكوي" (1875)
Vladimir Vdovin/Sputnik

اعترف الشاعر لاحقًا أن الرسالة كُتبت لإثارة "اللغط" بين معارفه. الا أن هذه الرسالة أصبحت السبب الرئيسي وراء صدور المرسوم الإمبراطوري القاضي بفصل بوشكين عن الخدمة "بسبب سلوكه المنحرف" ونقله الى نظام الاقامة الجبرية في ضيعة عائلته في مقاطعة بسكوف. وفي 1 أغسطس 1924 غادر بوشكين برفقة القنّ نيكيتا كوزلوف أوديسا متوجها الى قرية ميخائيلوفسكوي، أين أمضى العامين التاليين من حياته.