كيف أثرت ثورة عام 1905 على المسار التاريخي لروسيا (صور)
"دوى وابل قوي من الرصاص في الهواء…ليتهاوى جل الصف الأول..وبدأت الحشود بالهروب في كل الاتجاهات…وتعالت صرخات عامل بوجهه الشاحب وعيونه دامعة: ارحمونا، لماذا تفعلون هذا؟ لماذا تطلقون النتر على شعبكم؟ نحن شعب واحد". بهذه الكلمات وصف الضابط فلاديمير سافونكو بداية الثورة الروسية الأولى في 22 يناير 1905.
فويتسيك كوساك. "الأحد الدامي في سانت بطرسبرغ 1905"، 1905
في ذلك اليوم قامت القوات الحكومية باستخدام الأسلحة النارية لفض مظاهرة عمالية كانت متجهة الى القيصر حاملة له عريضة "اجراءات ضد جهل وانعدام حقوق الشعب الروسي". وقد طالب المتظاهرون بتحسين ظروف العمل، وإقرار حرية التعبير والنشر، وجعل الوزراء محل مساءلة من طرف ممثلي الشعب. وقد رأت السلطات القيصرية في المطالب السياسية مطالب "وقحة" وردت عليها بقسوة كبيرة.
قبل الثورة شهدت البلاد تنامي مشاعر الإحباط وعدم الرضى في أوساط المجتمع لعدة أسباب منها، تدهور المستوى المعيشي، انعدام الحماية الاجتماعية، غياب العدالة بين الطوائف والمجموعات الإثنية، ورفض السلطات القيصرية فكرة اجراء اصلاحات سياسية. وقد زادت الأوضاع سوءا بسبب الخسارة التي مني بها الجيش الروسي في الحرب ضد اليابان.
مشاركون في مظاهرة طلابية على رصيف جامعة يونيفرسيتيسكايا خلال ثورة عام 1905.
لقد أدت أحداث 22 يناير، التي أصبحت تعرف لاحقا باسم "الأحد الاسود"، الى مقتل أكثر من مئة شخص وإطلاق سلسلة من الأحداث التي هزت عرش الامبراطورية بقوة. حيث اندلعت مظاهرات عمالية تخللتها مواجهات مع القوات الحكومية في أنحاء الإمبراطورية الروسية. وانتشرت شعارات مثل "فلتسقط السلطة القيصرية"، كما قام الفلاحون بالاستيلاء على ضيعات وقصور الملاك الإقطاعيين، وزادت حدة الارهاب السياسي في تلك الفترة.
في 27 يونيو تمرد بحارة البارجة الحربية "الأمير بوتيمكين-تافريتشيسكي"، وذلك بسبب تدهور جودة الطعام على متن البارجة. وبما أنهم لم يحظوا بدعم من زملائهم البحارة في البحر الأسود، فضل بحارة البارجة التوجه الى رومانيا. وقد كانت هذه الواقعة أول تمرد من نوعه في صفوف القوات الامبراطورية المسلحة، والتي زادت من حدة التوتر السياسي في البلاد.
المشاركون في التمرد، بحارة البارجة "الأمير بوتيمكين-تاوريد".
في خريف العام 1905 اندلعت في أرجاء البلاد مواجهات سياسية شاملة، حيث تم تسجيل إضراب مليوني شخص عن العمل، وقد استذكر المؤرخ نيكولاي فرانغل هذه الأحداث قائلا: "احتل الآلاف من العمال شارع نيفسكي، مانعين بذلك حركة السيارات وعربات الخيل. مواجهات متواصلة مع الشرطة وحتى مع القوات العسكرية… لم تستطيع أفواج الفرسان العودة الى ثكناتها، في انتظار حدوث أعمال شغب، كانت تقضي كل ليلة أمام أحد المصانع لحمايته. لقد كانت المدينة في حالة حصار. وملأت شعارات وصرخات الحشود النفوس بالكآبة…".
دفعت هذه الوضعية السلطات القيصرية إلى تقديم تنازلات سياسية، حيث أصدر القيصر نيكولاي الثاني في 17 أكتوبر 1905 إعلان "بشأن إصلاح النظام السياسي"، والذي أقر حرية التعبير والتجمع والانتظام في اتحادات، كما أقر بتأسيس مجلس الدوما القادر على سن قوانين جديدة. وقد ختم هذا الاعلان بنداء "الى جميع أبناء روسيا الأوفياء للمساعدة في إيقاف هذه الفوضى الغير المسبوقة".
إيليا ريبين. "مظاهرة في 17 أكتوبر 1905"، 1907
ولقد انقسمت الآراء حول هذا الإعلان، حيث اعتبره البعض انتصارا كبيرا، أما البعض الآخر فقد رأى فيه مجرد كلمات رنانة بدون فائدة عملية تذكر. وتعرض هذا الاعلان لانتقاد شديد ورفض كامل من طرف اليساريين المتطرفين الممثلين في حزب الاشتراكيين الثوريين وجناح البلاشفة (الأغلبية) في الحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي، وقد امتنع هذان الفصيلان عن المشاركة في انتخابات مجلس دوما واختاروا مواصلة المقاومة المسلحة ضد القوات الحكومية.
سيمين نيكيفوروف. "صباح على المتاريس"، 1905
ولعب كل منهما دورا هاما في تحضير الضروف للتمرد المسلح في موسكو في ديسمبر 1905، والذي بدأ على شكل إضراب عام ليتحول بعدها الى مواجهة مباشرة مع الشرطة. حاول المتمردون المسلحون بالمسدسات التقدم نحو وسط المدينة، ولكن القوات الحكومية تمكنت من إيقاف تقدمهم وتفريقهم، وشهدت هذه الأحداث مقتل أكثر من ألف شخص، كان من بينهم مدنيون عزل. وبلغت الثورة الروسية أقصى حدها في أثناء تمرد موسكو، لتدخل بعد ذلك في مرحلة من التراجع والانحسار رغم تكرر المواجهات بين العمال والقوات الحكومية في العديد من المدن وعلى مناسبات مختلفة طوال العام 1906.
في أبريل من العام 1906 انطلقت أشغال أول مجلس للدوما في روسيا بصلاحيات محدودة جدا، حيث حافظ القيصر على سلطته المطلقة في المجالات الحيوية مثل الدفاع والسياسة الخارجية وتعيين الوزراء. وفي يوليو من نفس العام أقدم القيصر على حل الدوما، حيث تمكن النواب من إقرار قانون واحد بشأن المساعدة المالية في مواسم الحصاد السيئة.
خطاب القيصر نيكولاي الثاني الافتتاحي أمام مجلسي الدوما في القصر الشتوي.
أدى المجلس الدوما الثاني أعماله ابتداء من فبراير الى غاية يونيو من العام 1907، حيث شهد هذا المجلس مشاركة حزب الاشتراكيين الثوريين والبلاشفة، وقد تم حل المجلس في هذه المرة بسبب اتهام عدد من النواب بالتخطيط لمؤامرة ضد العائلة الإمبراطورية. بعدها قام نيكولاي الثاني بتعديل النظام الانتخابي لضمان وصول عدد أكبر من مناصري الملكية من الصناعيين وكبار الملاك الى الدوما من أجل دعم القيصر. وقد عملت الدورة الثالثة والرابعة لمجلس الدوما وفقا للآجال المحددة إلى غاية عام 1917.
سانت بطرسبرغ خلال ثورة 1905.
لقد انتهت أول ثورة روسية بتنازلات من طرف السلطة والمجتمع. حيث تم إقرار المزيد من الحريات السياسية وتحسين ظروف العمل. حيث ظهر في روسيا نظاما التعددية الحزبية، كما تم الحد، ولو بشكل ضئيل، من السلطة المطلقة للقيصر، إلا أن روسيا كانت لا تزال بعيدة جدا عن نظام الملكية البرلمانية في ذلك الوقت.