آخر مواطن سوفياتي أو رائد الفضاء المنسي في الفضاء
عندما تسارعت الأحداث في موسكو عشية انهيار الاتحاد السوفياتي كان رائد الفضاء على بعد 350 كم عن الأرض، أين أصبحت المحطة الفضائية "مير" بيته المؤقت.
ولهذا تم إطلاق لقب "آخر مواطن سوفياتي" عليه، فكيف حدث هذا؟
قبل خمسة أشهر من بداية هذه الأحداث انطلق سيرغي كريكاليف في رحلة فضائية من مركز بايكونور الفضائي في كازاخستان باتجاه المحطة الفضائية "مير" في مهمة كانت من المفترض أن تدوم خمسة أشهر فقط.
بعد مرور عدة أشهر من بداية المهمة وقع انقلاب عسكري في روسيا تاركا طاقم المحطة في الحيلة من الذهول والحيرة، وقد علق كريكاليف عن ذلك قائلا: "لقد كان هذا الحدث مفاجئ بالنسبة لنا وغير متوقعة بتاتا، لم نستطيع استيعاب ما يحدث. وخلال مناقشتنا للموضوع حاولنا أن نفهم تأثير هذه الأحداث على الصناعة الفضائية".
وأضاف قائلا أن مركز القيادة على الأرض طلب منه البقاء لوقت أطول في الفضاء الخارجي لأن الدولة "لا تملك الأموال الكافية" لإعادته رغم أنهم اعترفوا "هذا الأمر سيء لحالته الصحية، إلا أن البلاد تمر بأوقات صعبة ويجب التقشف في صرف الأموال".
الانتظار
لقد كان في إمكان رائد الفضاء أن يستعمل الكبسولة المتصلة بالمحطة "مير" للعودة الى الأرض، إلا أن هذه الخطوة كانت تعني فقدان المحطة الفضائية لأنه كان الوحيد القادر على القيام بأعمال الصيانة اللازمة.
وقد اعترف أن "لقد راودني الشك بشأن قدرتي على تحمل كل هذا الوقت إلى غاية إنهاء البرنامج"، فقد كان معرضا لخطر الإشعاعات وضمور العضلات او الاصابة بالسرطان بالاضافة الى مخاطر أخرى قد تنجم عن طول فترة مهتمه في الفضاء الخارجي.
لقد دامت مهمته الفضائية 10 أشهر كاملة محققا بذلك رقما قياسيا دون أن يخطط لذلك. في تلك الفترة تم اطلاق مهمتان اسكشافيتان من أصل اربعة كان مخططا لها، الا أن هذه الرحلات لم تستطيع اعادته الى الأرض.
لقد كان روسيا في ذلك الوقت في حاجة ماسة للموارد المالية بسبب الارتفاع الكبير في التضخم، مما دفعها إلى بيع رحلات فضائية إلى الدول الأخرى. وكانت استراليا واليابان من بين الزبائن الأوائل، فقد دفعت الأولى 7 ملايين دولار، أما الثانية فقد دفعت 12 مليون مقابلة مقعد في صاروخ "سويوز" الفضائي . وقد طرحت فكرة بيع محطة "مير" قبل أن تتعطل عن العمل. وفي ذلك الوقت تمكن أربعة من طاقم المحطة الرجوع الى الأرض تاركين سيرغي وحيدا هناك. وقد هذا الأخير القليل من العسل ليرفع به معنوياته ولكنهم اخبروه بأن العسل غير متوفر وارسلوا اليه القليل من الليمون والخردل.
العودة إلى الأرض
تمكن رائد الفضاء من العودة الى الأرض بتاريخ 25 مارس 1992، وقد دفعت ألمانيا مبلغ 24 مليون دولار ثمنا لرحلة رائد الفضاء الألماني كلاوس ديتريخ فلايد، والذي استبدل سيرغي في منصبه كمهندس على متن المحطة الفضائية.
عند الوصول الى الارض خرج من الكبسولة الفضائية مرتديا لباسا يحمل رموز الاتحاد السوفياتي (СССР). ولقد وصفت الصحافة الغربية شكله قائلة: "كان شاحبا كالدقيق ويتعرق مثل العجينة المبللة"، وقام أربعة أشخاص بمساعدته على النزول، حيث قدم له أحدهم رداء من الفرو وقدم له آخر طبقا من الحساء الساخن. ولقد غدت قصته معروفة في أنحاء العالم.
لقد حطت مركبة كريكاليف في مدينة أركاليخ، التي لم تعد جزء من بلده، بل أصبحت تابعة لجمهورية كازاخستان المستقلة حديثا. أما المدينة التي عاش فيها فقد غيرت اسمها من لينينغراد الى سان بطرسبورغ، وخلال 5000 دورة التي أداها حول الأرض تقلصت مساحة بلده بمقدار 5 ملايين كيلومتر مربع. وأصبحت أجرته الشهرية التي كانت تساوي 600 روبل، واعتبرت في ذلك الوقت اجرة جيدة لعالم فضاء، دون قيمة تذكر، حيث أصبح سائق حافلة يتقاضى ضعف ذلك.
ولكن كريكاليف لم يتفاجأ كثيرا بكل هذه التحولات وقال: "هذه ليست تحولات جذرية، فقد عشت في روسيا التي كانت موحدة مع باقي الجمهوريات في اطار الاتحاد السوفياتي، وعدت الى روسيا وهي موحد مع باقي الجمهوريات عبر منظمة رابطة الدول المستقلة".
وقد تحصل على وسام بطل روسيا ليعود مرة أخرى إلى الفضاء، حيث أصبح أول رائد روسي يطير على مكوك تابع لوكالة ناسا ويلتحق بمحطة الفضاء الدولية الجديدة.