كيف أصبح الدب رمزًا لروسيا رغما عنها؟

Getty Images
Getty Images
أصبح الدب رمزا لروسيا بفضل العديد من الظروف الغريبة التي أثبتت أن الأخبار المزيفة كانت دائما حاضرة في الحملات الدعائية المغرضة.

في البداية يجب علينا توضيح أمر مهم، الدب ليس رمزًا رسميا لروسيا. الرمز الرسمي لروسيا في العصر الحالي هو النسر ذو الرأسين. لكنه لطالما صور الأوروبيين روسيا على شكل دب كبير مخيف. في مرحلة معينة تجاوز عدد المؤمنين بهذه الفكرة في العالم نقطة اللارجعة وأصبح من المستحيل على الروس رفض هذا الصورة، ولم يبقى لهم سوى تقبل الأمر الواقع والتعايش معه.

وهكذا وصل الأمر إلى إطلاق بالون دب ضخم في سماء حفل اختتام أولمبياد 1980 في موسكو، ليصبح الدب رمزا لأهم حدث في البلاد في ذلك العام. فما قصة وراء ذلك؟

الدببة كوسيلة لتنفيذ أحكام الإعدام

اولا يجب الإشارة الى أن الدب كان حيوانا مقدسا لدى للسلافيين القدامى، كما شهدت روسيا وجود فرق سيرك تستعمل الدببة المدربة من أجل تقديم فقرات ترفيهية.
ولكن المثير في الموضوع أن الدببة كانت تستخدم في تنفيذ عمليات الإعدام. وقد استمرت هذه الممارسة لفترة طويلة، وعرفت انتشارا واسعا تحت حكم إيفان الرهيب في القرن السادس عشر. وفي بعض الأحيان كان يتم استخدام الدببة بشكل غير مباشر في عملية الإعدام: حيث يتم إجبار المحكوم عليه بارتداء جلد دب ثم يتم إطلاق الكلاب عليه لتنهش جلد الدب مع أجزاء من جسمه.

Vladimir Vdovin / Sputnik نسخة من رسم فيكتور فاسنيتسوف التوضيحي "صياد يقاتل دبًا من أجل متعة القيصر". 1898. متحف الدولة التاريخي، موسكو.
Vladimir Vdovin / Sputnik

ومع ذلك فإن القصص المرعبة هذه لم تنتشر بشكل كبير خارج روسيا، بل انتشرت قصة مغايرة عن الدببة غيرت صورة روسيا للأبد. في عام 1526 كتب دبلوماسي نمساوي يدعى سيجسموند فون هيربرشتاين عن الشتاء في روسيا قائلا: "تخرج الدببة المدفوعة بالجوع من الغابات نحو القرى المجاورة لاقتحام المنازل، وعند رؤيتها يفر القرويون من منازلهم ليموتوا من البرد موتة مثيرة للشفقة". قام لاحقًا العديد من المسافرين الأوروبيين بنسخ هذه القصة في المائة عام التالية، ونتيجة لهذه الحملة الاعلامية طويلة الأمد أصبحت فكرة تجول الدببة في شوارع روسيا تُعتبر شيئًا عاديًا ومنتظمًا. هكذا وُلدت احدى أكبر الأساطير عن روسيا، التي تفيد بأن الدببة في روسيا  تتجول في الشوارع جنبا إلى جنب مع المارة.

علاج للصلع

لكن الانتشار الحقيقي للدب كرمز لروسيا جاء نتيجة لحيلة تسويقية ماكرة من تصميم التجار الإنجليز الذين تخصصوا في السلع الروسية في تلك الفترة. وقد ربط العديد من سكان انجلترا صورة روسيا مع السلع الواردة من هناك: العسل، الفراء، الصوف، الشمع، وما أعتقد الزبائن بأنه دهن الدب. فقد لعب دهن الدب نفس الدور الذي لعبه الكرواسون في الترويج لفرنسا.
فقد قام التجار الإنجليز بالترويج لدهن الدب الروسي كأفضل علاج لتساقط الشعر، نظرا لأن الدببة حيوانات كثيفة الشعر. لقد كان سعر هذا الدهن مرتفعا جدا نظرا لندرته واستيراده من أماكن بعيد في روسيا.

eBay.com
eBay.com

ولكنه في الحقيقة كان التجار يبيعون دهن خنزير عادي، لكن الرغبة الكبيرة لدى السادة الإنجليز في علاج الصلع فعلت فعلتها وأعطت للحملة التسويقية زخما ونجاحا كبيرين.

دور الجغرافيا

يوجد سبب آخر لارتباط روسيا بالدببة في أعين الأوروبيين، فقد تم في القرن السابع عشر إنشاء أكاديمية للدببة في مدينة سمورغون، وكانت عبارة عن مركز تدريبي لدببة السيرك في أوروبا. ورغم أن مدينة سمورغون في ذلك الوقت كانت تابعة للكومنولث البولندي الليتواني، إلا أن الانسان الأوروبي العادي لم يكن معنيا كثيرا بالدقة في المسائل الجغرافية، فإذا كانت سموروغون تقع في الشرق، وروسيا تقع في الشرق كذلك، إذا فإن سموورغوت هي مدينة روسية لا محال.

لذلك ليس من المستغرب أنه عندما ظهرت في إنجلترا الرسوم الكاريكاتورية السياسية في القرن التاسع عشر، كانت روسيا دائمًا تصور على شكل دب، وانتقل هذا الى الحرب الباردة حيث أصبح الدب للسياسات القاسية والدموية التي اعتمدها الاتحاد السوفياتي.

Creative Commons / William Heath
Creative Commons / William Heath

رمز أولمبي

من الصعب القول إذا كان الروس يحبون فكرة أن يكون الدب رمزا لهم، لكن شعبية الدب الروسي الكبيرة في  أوروبا دفعت الاتحاد السوفيتي الى تبني هذا الرمز مع اعطائه لمسة ايجابية، وذلك بإبراز شجاعة وقوة ومثابرة الدب. وقد وصل الأمر إلى استخدامه كتميمة رسمية في أولمبياد موسكو 1980.

لاحقًا، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، كان الدب من المرشحين للعب دور الرمز الرسمي للدولة الروسية، إلا أن الاختيار في الأخير وقع على النسر الإمبراطوري ذي الرأسين. وقد عاد الدب مرة أخرى الى الواجهة مع بداية القرن الحادي والعشرين، عندما تم اختياره كرمز لحزب روسيا الموحدة الحاكم.