كيف أُطلق أول قمر صناعي حول الأرض؟

Gateway to Russia (The first Soviet artificial Earth satellite. Frame from the film / TASS)
Gateway to Russia (The first Soviet artificial Earth satellite. Frame from the film / TASS)
قبل خمسة وستين عامًا، أطلق الاتحاد السوفياتي القمر الصناعي سبوتنيك 1 إلى الفضاء. ومنذ ذلك الحين دخلت البشرية في عصر الفضاء. وفيما يلي، نستذكر معا قصة هذا الحدث التاريخي.

في عام 1955 شغلت مجموعة من العلماء احدى قاعات المعهد الوطني للأبحاث العسكرية رقم 4 (NII-4) في بولشيفو، الواقعة في منطقة موسكو، وهو معهد سري متخصص في إجراء الحسابات الرياضية لعمل الصواريخ الباليستية. وقد أطلق على هذه المجموعة لقب "الحالمون"، والذين كُلِّفوا بدراسة المشاكل المحتملة أثناء رحلات الفضاء. في تلك الفترة كان الفضاء لا يزال منطقة مجهولة للبشرية، إذ لم يمضِ سوى عشر سنوات على نهاية الحرب العالمية الثانية، ولم يسبق لأي الانسان السفر إلى الفضاء.

David Sholomovich / Sputnik
David Sholomovich / Sputnik

بين الحين والآخر، كان "الحالمون" يتجادلون بصوت عالٍ: لا يمكن إرسال إنسان إلى الفضاء، سيحترق عند هبوطه إلى الأرض، سينتفخ عند انعدام الجاذبية، سيتمزق إربًا اربا وهكذا. وكثيرا ما هرع موظفون من الأقسام الأخرى نحو قاعة الحالمين لاعتقادهم بوجود خطب ما، ليجدوا العلماء المجانين يتجادلون حول ما كان في ذلك الوقت يعتبر مجرد أحلام يقظة وتخيلات نظرية لا غير.

لكن بعد عامين فقط، أصبح هؤلاء "الحالمون" مسؤولين عن أكثر مشاريع البشرية طموحًا: إطلاق أول قمر صناعي الى الفضاء يدور حول الأرض.

نحن بحاجة إلى صاروخ

قبل التفكير في فكرة إطلاق جسم إلى مدار الأرض، كان لا بد من تصميم وسيلة لنقله إلى هناك، فقد كان المشروع يحتاج لصاروخ قوي.

يشير العالم والمصمم بوريس تشيرتوك إلى أن "قصة ابتكار أول قمر صناعي هي قصة صاروخ بالأساس. وتكنولوجيا الصواريخ في الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة لها جذور ألمانية".

Heriberto Arribas Abato (CC BY-SA 3.0) النسخة الأولى من طائرة R-7، تم اختبارها عام 1957
Heriberto Arribas Abato (CC BY-SA 3.0)

بعد الحرب العالمية الثانية، تمكن المخترعون السوفيات من الحصول على المعدات الألمانية التي تم الاستيلاء عليها أثناء الحرب وبعدها، وكان من بينها صاروخ "V-2"، وهو صاروخ بمدى تشغيلي يصل إلى 320 كيلومترًا، والذي نفذ أول رحلة فضائية شبه مدارية في العالم. درسوا هذا الصاروخ بدقة متناهية، وصمموا مجموعة من الصواريخ السوفياتية بناءً عليه. كان اسم قائد برنامج الفضاء السوفيتي، سيرغي كوروليف، في ذلك الوقت سريًا للغاية (وكانت مسيرته المهنية غير عادية أيضًا تماما، ففي عام 1938، حُكم عليه بالسجن عشر سنوات في معسكرات الاعتقال، ثم نُقل إلى ما يُسمى بـ "شاراشكا"، وهو مكتب تصميم سري للعلماء المدانين).

وفي عام 1954، وتحت إشراف كوريلوف، ظهر صاروخ "سيميوركا" أو "آر-7" بمدى تشغيلي يصل إلى 9500 كيلومتر. «عندما أُطلق الصاروخ الباليستي R-7 عام 1957 من قاعدة تيوراتام الفضائية (التي سُميت لاحقًا بايكونور) وأصاب هدفه في ميدان تجارب في كامتشاتكا، اتضح لنا أن لدينا حاملًا لإطلاق قمر صناعي إلى مداره. بصراحة، قبل ذلك، لم أكن أصدق أن جميع محركات الصاروخ الـ32 ستعمل في وقت واحد وبالطريقة المخطط لها»، هكذا علق الأكاديمي غيورغي أوسبنسكي على عملية إطلاق الصاروخ، وهو واحد من أولئك «الحالمين» في تلك الغرفة الصاخبة.

الجسم D

بعد هذا الانجاز تغيرت النظرة العامة تجاه مجموعة «الحالمين» وتك تكليفها بمهمة جديدة، تصميم أول قمر صناعي تحت اسم «الجسم د». كان من المفترض أن تتراوح كتلة هذا الجسم بين 1000 و1400 كيلوغرام، مع إضافة 200 إلى 300 كيلوغرام أخرى من معدات البحث. حتى أن أحد تصاميم القمر الصناعي تضمن حاوية تحتوي على «حمولة بيولوجية» على شكل كلب تجارب. بمعنى آخر لم يكن القمر الصناعي الصغير "سبوتنيك" هو ما كانوا يأملون في حمله إلى المدار بمساعدة الصاروخ R-7 في الفترة 1957-1958، بل كانوا يخططون لإطلاق آلة ثقيلة بمعدات كثيرة.

From the funds of the State Historical Museum / Sputnik سيرجي كوروليف (الثاني من اليسار) ضمن فريقه
From the funds of the State Historical Museum / Sputnik

ولكن سرعان ما اتضح استحالة الالتزام بهذه المواعيد النهائية لهذا المشروع الذي يستغرق وقتًا طويلاً. حيث تقدم العمل ببطء، كما علم الاتحاد السوفيتي أن مشروعا مماثلاً يجري تطويره في الولايات المتحدة، حيث كان من المقرر إطلاق "القمر الصناعي المداري الأدنى غير المأهول حول الأرض" في نفس الوقت. عندها، اتخذ كوروليف قرارًا بالتخلي عن "القمر الصناعي الثقيل" لصالح جهاز بسيط وخفيف مزود بهوائيين لالتقاط إشارات الراديو.

"كان الناس ينامون في مكتب التصميم على أسرّة قابلة للطي".

تم تصميم للقمر الصناعي على شكل كرة ألومنيوم محكمة الإغلاق بقطر 58 سنتيمترًا ووزن 83.6 كيلوغرامًا، ومزودة بأربعة هوائيات. بالإضافة إلى ذلك، تم اختيار مدى إرسال القمر الصناعي بحيث يمكن حتى لهواة الراديو متابعة القمر الصناعي. حيث يتذكر الكثيرون صوت "بيب-بيب-بيب" المميز الذي أحدثه مرور السبوتنيك فوقهم.

Ministry of Defence of the Russian Federation / mil.ru سبوتنيك-1، نموذج.
Ministry of Defence of the Russian Federation / mil.ru

وقد تم تصنيع القمر الصناعي في وقت قياسي، إذ يقول أوسبنسكي: "لم يغادر الناس أماكن عملهم لأيام، بل كانوا ينامون على أسرّة قابلة للطي في مكتب تصميم كوروليف. كان القمر الصناعي الأول، بطبيعة الحال، بسيطًا جدًا في تصميمه ومكوناته. زُوّد بمستشعر ضروري للبحث عن كيفية انتقال موجات الراديو عبر الغلاف الجوي. لم نكن نعرف ذلك حينها".

في النهاية، لم يمر سوى شهرين بين الاختبار الناجح للصاروخ R-7 في أغسطس 1957 وإطلاق القمر الصناعي. ففي 4 أكتوبر 1957، وعلى تمام الساعة 22:28 بتوقيت موسكو، تم إطلاق الصاروخ الحامل للقمر الصناعي إلى الفضاء.

Public Domain
Public Domain

لم يدم عمل أول قمر صناعي للبشرية طويلاً، اذ لم يقض في الفضاء سوى 92 يومًا، أي الى غاية تاريخ  4 يناير 1958. وقد تمكن من إكمال 1440 دورة حول الأرض، وعملت إشاراته لمدة أسبوعين بعد إطلاقه. إلا أنه بسبب الاحتكاك في طبقات الغلاف الجوي العليا، فقد سرعته ودخل طبقات الغلاف الجوي الكثيفة واحترق.

القمر الأحمر

كان لخبر إطلاق القمر الصناعي السوفياتي صدًا كبيرا ووقعا مدويا، إذ عبر الصحفيون من شتى أنحاء العالم عن "الصدمة العالمية"، فلم يكن هذا "مجرد إنجاز علمي عظيم، بل أحد أعظم الأحداث في تاريخ العالم أجمع". وأطلقت الصحافة الأمريكية على القمر الصناعي اسم "القمر الأحمر".

RSC Energia / TASS إطلاق المركبة الفضائية سبوتنيك-1 من قاعدة بايكونور الفضائية
RSC Energia / TASS

وعلاوة على الدلالات العلمية، حمل هذا الانجاز دلالات سياسية بالغة الأهمية. ففي الرابع من أكتوبر بات من الواضح أن الاتحاد السوفياتي يمتلك صاروخًا عابرًا للقارات متعدد المراحل، تعجز عن مواجهته كل الدفاعات الجوية المتوفرة في تلك الفترة، وقد غير هذا المعطى نظام العلاقات الدولية بشكل جذري.